عبد الشافى محمد عبد اللطيف
19
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
غير أنه لم يكد جيل الصحابة - وهم شهود وحفاظ السيرة - يختفي حتى ظهرت الحاجة إلى تدوين وتسجيل السيرة النبوية ، والتأريخ للعهد النبوي ، فجيل التابعين - وهم الذين رأوا الصحابة وعاصروهم وتعلموا منهم - لم يروا بأنفسهم الأعمال الرائعة والجهاد المجيد الذي قام به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم من أجل الرسالة الإسلامية وتبليغها للناس ، ولكنهم سمعوا عن ذلك من الصحابة ، فبهرتهم الأعمال والمواقف والأخلاق فتاقت نفوسهم لمعرفة كل شيء بالتفصيل ، ولم يفوتوا الفرصة ، بل عضوا عليها بالنواجذ . وأخذوا يسألون الصحابة الذين صحبوا الرسول وضحوا معه ، وشهدوا جميع مشاهده ومواقعه ، ومن الأسئلة التي كانوا يسألونها - على سبيل المثال - متى وكيف كانت بيعة العقبة ؟ متى كانت الهجرة إلى الحبشة ؟ وكم عدد الذين هاجروا في الأولى والثانية ؟ ومتى عادوا ؟ وكيف كانت غزوة بدر ؟ ومن الذين شهدوها ؟ هذه الأسئلة وأمثالها كانت تلقى على الصحابة ويجيبون عنها ، وأسلوب السؤال والجواب - كما هو المعروف - من أهم روافد العلم ، خصوصا في مراحل النشأة والتكوين . بل إن القرآن الكريم حافل باستخدام أسلوب السؤال والجواب حتى في مجال العقيدة وإثباتها ، وإقامة الحجة على الكافرين الجاحدين ، مثل قول اللّه تعالى : قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 84 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 85 ) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 86 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ [ المؤمنون 84 - 87 ] . وكان من الطبيعي أن تكون المدينة المنورة هي أصلح بيئة للإجابة عن كل ما يتعلق بحياة الرسول وسيرته ، حيث عاش معظم الصحابة الذين عايشوا أحداث الإسلام الكبرى في عهد الرسول ، ونقلوها للتابعين ، الذين لم يكتفوا بالتلقي والحفظ ، بل بدؤوا تدوين الوقائع والأحداث كما سمعوها من الذين شاهدوها ، وكانت تلك لحظة البداية ، بداية التأليف في السيرة النبوية . واتسعت دائرة السؤال والجواب ، ولم تعد قاصرة على المدينة وحدها ، بل سارع الناس في خطى الصحابة في كل مصر حلوا به ، مثل البصرة والكوفة ودمشق والفسطاط . . إلخ . ومن حسن الحظ أن من كبار التابعين الذين بدأوا التدوين في السيرة النبوية ، وأصبحوا مصدرا رئيسيّا من مصادرها كانوا من أبناء كبار الصحابة الذين أخذوا العلم عن آبائهم الكرام ، وهم الذين رأوا كل شيء وشاركوا بأنفسهم ، بل كان من